الشنقيطي
440
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
غير ذلك من الآيات . وإنذار الذين كذبوه صلّى اللّه عليه وسلّم بما وقع لمن كذب من قبله من الرسل كثير جدا في القرآن . وبه تعلم اتّجاه ما استحسنه ابن كثير رحمه اللّه من تفسير آية « الأنبياء » هذه بآية « الأحقاف » المذكورة كما بيّنا . وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة : فإن قلت : أي فائدة في قوله نَأْتِي الْأَرْضَ ؟ قلت : فيه تصوير ما كان اللّه يجريه على أيدي المسلمين ، وأن عساكرهم وسراياهم كانت تغزو أرض المشركين ، وتأتيها غالبة عليها ناقصة من أطرافها ( ا ه منه ) . واللّه جلّ وعلا أعلم . قوله تعالى : وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ ( 47 ) [ 47 ] . ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : أنّه يضع الموازين القسط ليوم القيامة ؛ فتوزن أعمالهم وزنا في غاية العدالة والإنصاف : فلا يظلم اللّه أحدا شيئا ، وأن عمله من الخير والشر ، وإن كان في غاية القلّة والدقّة كمثقال حبّة من خردل ، فإنّ اللّه يأتي به ؛ لأنه لا يخفى عليه شيء وكفى به جلّ وعلا حاسبا ؛ لأحاطة علمه بكل شيء . وبين في غير هذا الموضع : أن الموازين عند ذلك الوزن منها ما يخف ، ومنها ما يثقل . وأن من خفت موازينه هلك ، ومن ثقلت موازينه نجا ؛ كقوله تعالى : وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 8 ) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ ( 9 ) [ الأعراف : 8 - 9 ] وقوله تعالى : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ ( 101 ) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 102 ) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ ( 103 ) [ المؤمنون : 101 - 103 ] ، وقوله تعالى : فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ( 6 ) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ ( 8 ) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ( 9 ) [ القارعة : 6 - 9 ] إلى غير ذلك من الآيات . وما ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : من أن موازين يوم القيامة موازين قسط - ذكره في « الأعراف » في قوله : وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [ الأعراف : 8 ] لأن الحق عدل وقسط . وما ذكره فيها : من أنه لا تظلم نفس شيئا - بيّنه في مواضع أخر كثيرة ، كقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ( 40 ) [ النساء : 40 ] ، وقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 44 ) [ يونس : 44 ] ، وقوله تعالى : وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ( 49 ) [ الكهف : 49 ] وقد قدمنا الآيات الدالة على هذا في سورة « الكهف » .